تاريخ ونشأة التقويم الهجري: قصة بداية التأريخ الإسلامي من عهد الفاروق إلى العصر الرقمي

🌐

This comprehensive guide is also available in English


Read in English →

خلاصة تاريخية وتوثيقية

تأسس التقويم الهجري الإسلامي في عهد الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام 17 للهجرة النبوية الشريفة. اعتمد الصحابة رضوان الله عليهم هجرة المصطفى محمد ﷺ من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة بداية للتأريخ الإسلامي، لتصبح هذه المناسبة نقطة التحول الكبرى في مسار الحضارة الإنسانية وبناء أول دولة إسلامية ذات سيادة ونظام زمني مستقل.

التأريخ عند العرب قبل الإسلام: تسمية الأعوام بالأحداث الكبرى

لم يكن للعرب في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام تقويم مرقم بعدد السنين المتتالية كما نعرفه اليوم. كان العرب يعتمدون على النظام القمري في معرفة بدايات الشهور وانتهائها لمتابعة مواسم التجارة والحج وأسواقهم الأدبية الشهيرة كسوق عكاظ ومجنة وذي المجاز. غير أنهم لم يربطوا السنين بأرقام عددية متسلسلة، بل كانوا يطلقون على كل عام اسماً مميزاً مشتقاً من واقعة تاريخية كبرى أو كارثة طبيعية تهز مجتمعهم.

من أشهر تلك الأعوام “عام الفيل”، وهو العام الذي حاول فيه أبرهة الحبشي هدم الكعبة المشرفة بمكة المكرمة وصادف ولادة النبي محمد ﷺ. كما عرفت قريش والعرب أعواماً أخرى مثل “عام الفجار” نسبة إلى حرب الفجار التي اندلعت بين كنانة وقيس عيلان، و”عام بناء الكعبة” حين اشتركت القبائل في إعادة تجديد بنيانها وتراضوا على تحكيم النبي ﷺ في وضع الحجر الأسود. وكان هذا الأسلوب يفي بالغرض في بيئة قبلية محدودة، إلا أنه كان يؤدي إلى اضطراب كبير في تدقيق المعاملات المالية والعقود الآجلة عبر الأجيال.

عادة النسيء الجاهلية وتحريمها القطعي في الإسلام

كانت الأشهر الحرم الأربعة (ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب) مقدسة عند قبائل العرب منذ بقايا ملة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، يحرم فيها القتال وسفك الدماء لتأمين طرق القوافل وزوار بيت الله الحرام. غير أن طول فترة التحريم المتصلة لثلاثة أشهر متتالية (ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم) كان يشق على بعض القبائل التي تحترف الغزو وقطع الطرق.

ابتكرت قريش وبنو فقيم من كنانة حيلة عرفت في التاريخ باسم “النسيء”. كان النسيء يقوم على التلاعب بمواعيد الشهور عبر تأخير تحريم شهر إلى شهر آخر بحسب أهوائهم، فيحلون المحرم عاماً ويحرمون بدله صفراً ليتمكنوا من القتال، أو يضيفون شهراً كبيساً إلى السنة القمرية لربطها بفصول الزراعة ومواسم التجارة الشتوية والصيفية. وقد أبطل الإسلام هذه العادة الجاهلية بآيات محكمات في سورة التوبة، حيث بين الخالق جل وعلا أن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، وأن النسيء زيادة في الكفر يُضل به الذين كفروا.

قال رسول الله ﷺ في خطبة حجة الوداع الشهيرة في ذي الحجة من العام العاشر الهجري: “إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان”.

أزمة المراسلات الإدارية في السنة السابعة عشرة للهجرة

مع اتساع رقعة الفتوحات الإسلامية في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وامتداد الدولة من بلاد فارس شرقاً إلى الشام ومصر غرباً، نشأت تحديات إدارية ومالية غير مسبوقة. أنشأ عمر بن الخطاب نظام الدواوين لتنظيم أعطيات الجند وإدارة بيت مال المسلمين وجمع الخراج وتنظيم العقود ومراسلات الولاة والعمال.

وردت إلى الخليفة مراسلات من ولاة الأمصار تبرز إشكالاً حقيقياً في التوثيق. كتب أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، والي البصرة، كتاباً إلى أمير المؤمنين عمر قال فيه: “إنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، وإنه يقدم إلينا كتاب قد كتب في شعبان، فما ندري أي شعبان هو؟ أهو شعبان الماضي أم شعبان الحالي أم الآتي؟”. وفي واقعة أخرى، رفع إلى عمر صك مالي لرجل على آخر يحل أجله في شهر شعبان، فقال الدائن: هو شعبان هذا، وقال المدين: بل شعبان القادم. فأدرك الفاروق عمر بحسه الإداري الثاقب ضرورة وضع تأريخ إسلامي رسمي موحد يحسم الخلاف ويضبط شؤون الدولة.

مجلس الشورى الصحابي: اختيار نقطة انطلاق التاريخ

جمع عمر بن الخطاب كبار أصحاب النبي ﷺ من المهاجرين والأنصار في المدينة المنورة للتشاور في اعتماد مبدأ للتأريخ الإسلامي. وقد عرضت في هذا الاجتماع التاريخي عدة آراء وخيارات مستندة إلى تجارب الأمم المعاصرة وسيرة المصطفى ﷺ:

المقترح المطروح الأساس والحجة نتيجة المشاورة الصحابية
تأريخ الروم والبيزنطيين كانت حسابات الروم شائعة في الشام ومصر ومستندة إلى عهد الإسكندر الأكبر. رُفض لأن مبدأه قديم جداً ومرتبط بأمم أخرى خارج الهوية والرسالة الإسلامية.
تأريخ الفرس الساسانيين كان يعتمد على سنوات تتويج كل ملك من ملوك فارس وإعادة تصفير العداد عند موته. رُفض لما فيه من تقلب وفوضى؛ فكلما مات ملك وولي آخر سقط التأريخ القديم.
التأريخ بمولد النبي ﷺ (571 م) باعتبار ولادة خاتم الأنبياء إشراقة النور والرحمة للعالمين أجمعين. رُفض لأن سنة ولادته ﷺ لم تشهد بعد نزول الوحي ولم تكن حاسمة في قيام الأمة ككيان.
التأريخ ببعثة النبي ﷺ (نزول الوحي) باعتباره بداية الوحي ونزول القرآن الكريم في غار حراء. نوقش باهتمام لكن مرحلة الدعوة المكية كانت مرحلة استضعاف وتأسيس فردي.
التأريخ بوفاة النبي ﷺ (11 هـ) لأنه تاريخ اكتمال الشريعة وانتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى. رُفض بالإجماع لأن يوم وفاته كان يوم حزن عميق وفاجعة لا يليق بدء التاريخ بها.
التأريخ بالهجرة النبوية المباركة (622 م) اقترحه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأيده الفاروق عمر بن الخطاب. حاز الإجماع الكامل: لأن الهجرة فرقت بين الحق والباطل وأقامت الدولة المستقلة.

أكد عمر بن الخطاب رضي الله عنه على وجاهة رأي علي بن أبي طالب فقال كلمته الخالدة: “الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا بها”. لم تكن الهجرة النبوية مجرد انتقال جغرافي من مكة إلى يثرب هرباً من بطش قريش، بل كانت إعلاناً لميلاد الأمة الإسلامية كقوة سياسية واجتماعية وحضارية ذات تشريع مستقل، وقبلة مستقلة، ونظام مالي واقتصادي متكامل.

لماذا بدأت السنة بشهر محرم بدلاً من ربيع الأول؟

وقع حدث الهجرة النبوية الفعلي ووصول النبي ﷺ إلى قباء والمدينة المنورة في شهر ربيع الأول من عام 622 للميلاد. ومع ذلك، لم يجعل الصحابة شهر ربيع الأول فاتحة العام، بل استقر رأيهم على جعل شهر المحرم هو الشهر الأول من السنة الهجرية.

تشاور عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم في الشهر الذي تبدأ به السنة، فقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: “أرخوا بالمحرم، فإنه شهر حرام، وهو أول الشهور في عدة السنة، وهو منصرف الناس من حجهم”. كانت حجة عثمان بالغة الدقة؛ فالحجاج ينتهون من أداء المناسك في ذي الحجة ويعودون إلى بلدانهم مستأنفين أعمالهم وحياتهم في محرم، فكان المحرم بمثابة بداية جديدة وعزم متجدد بعد التطهر من الذنوب، بالإضافة إلى كونه من الأشهر الحرم التي تمنح الأمان والسلام.

انتشار التقويم الهجري واستقراره عبر الحضارة الإسلامية

منذ اعتماده في عهد الفاروق عام 17 للهجرة، تحول التقويم الهجري إلى الشريان النابض للحضارة الإسلامية في شتى أصقاع الأرض. قيدت به تواريخ المعاهدات الدبلوماسية، وسجلات القضاء الشرعي، وحسابات الوقف، ووفيات العلماء، وأحداث المعارك الفاصلة في تاريخ العالم من معركة القادسية واليرموك وحتى فتح القسطنطينية والأندلس.

تميز التقويم الهجري بكونه تقويماً فلكياً طبيعياً يعتمد على دوران القمر حول الأرض. وبما أن الشهر القمري يبلغ في المتوسط 29.53 يوماً، فإن السنة الهجرية تبلغ 354 أو 355 يوماً، وهي تقل عن السنة الشمسية بنحو 11 يوماً. هذا الفارق جعل الشهور والمناسبات الإسلامية تدور عبر كافة فصول السنة الأربعة كل 33 عاماً، ليعيش المسلم تجربة الصيام والحج في الشتاء والصيف والربيع والخريف، محققاً العدالة والمساواة بين سكان نصفي الكرة الأرضية الشمالي والجنوبي.

العصر الحديث: بين الرؤية الشرعية والحساب الفلكي الدقيق

في العصر الرقمي الراهن، تطورت أساليب رصد الأهلة وحساب أطوار القمر بفضل المراصد الفلكية المتقدمة وتقنيات الأقمار الصناعية وخوارزميات الحاسوب. وتعتمد الدول الإسلامية اليوم على آليات دقيقة لتحديد مطالع الشهور:

1. تقويم أم القرى بالمملكة العربية السعودية: يعتبر التقويم المعتمد في الحسابات الرسمية والمدنية والمواعيد الدينية بالمملكة. يعتمد معياراً فلكياً دقيقاً يقر بدخول الشهر الجديد إذا حدث الاقتران الفلكي (ولادة الهلال) قبل غروب الشمس، وغرب القمر بعد غروب الشمس في مكة المكرمة.

2. لجان تحري الهلال الإقليمية: تواصل لجان الرؤية الشرعية في دول مثل المغرب، ومصر، وسلطنة عمان، وباكستان، متابعة ولادة الهلال بالعين المجردة والتلسكوبات الفلكية في مغرب يوم التاسع والعشرين من كل شهر لتأكيد دخول الشهور الدينية الحساسة كرمضان وشوال وذي الحجة.

الأسئلة الشائعة حول تاريخ ونشأة التقويم الهجري

من هو الصحابي الذي وضع التقويم الهجري رسمياً؟

الصحابي الذي أمر بإنشاء التقويم الهجري هو أمير المؤمنين الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السنة السابعة عشرة للهجرة (17 هـ)، بعد مشورة جمعت كبار الصحابة رضوان الله عليهم.

لماذا يرمز للتاريخ الهجري بالحرف “هـ” وبالإنجليزية “AH”؟

يرمز له بالعربية بحرف “هـ” اختصاراً لكلمة (هجرية)، ويرمز له باللاتينية والإنجليزية بالحرفين (AH) وهي اختصار للعبارة اللاتينية (Anno Hegirae) والتي تعني حرفياً “في سنة الهجرة”.

لماذا لم يبدأ التقويم الهجري بشهر ربيع الأول الذي حدثت فيه الهجرة؟

لأن شهر المحرم كان يعتبر تقليدياً أول الشهور في الدورة السنوية عند العرب منذ القدم، ولأنه يأتي مباشرة بعد انصراف الحجاج من مناسك الحج في ذي الحجة، فكان محرم بداية طبيعية وموفقة لدورة جديدة في حياة الناس ومعاملاتهم.

ما هو الفارق بين التقويم الهجري الشمسي والتقويم الهجري القمري؟

التقويم الهجري المعتمد في الشريعة الإسلامية هو تقويم قمري بحت مدته 354 يوماً يعتمد على رؤية الهلال. أما التقويم الهجري الشمسي (المتبع في إيران وأفغانستان) فهو تقويم شمسي مدته 365 يوماً يبدأ بيوم الاعتدال الربيعي ويتخذ من الهجرة النبوية مبدأً لسنواته فقط.

Share the Post:

Related Posts

English