شهر ذو الحجة المبارك: فضائل العشر الأوائل، مناسك الحج، يوم عرفة، عيد الأضحى، وأحكام الأضحية
يحل شهر ذو الحجة المبارك تاجاً متلألئاً يختتم به التقويم الهجري دورته السنوية، وهو الشهر الثاني عشر وخاتمة الأشهر الحرم العظام وثاني الأشهر المتتابعة التي حرم الله فيها القتال والظلم. تتجلى في ذي الحجة ذروة العبادات الإسلامية؛ إذ خصه الله بالأيام العشرة الأولى التي أقسم بها في كتابه العزيز، ووصفها النبي المصطفى ﷺ بأنها أعظم أيام الدنيا وأحبها إلى الله بالعمل الصالح. وفيه يجتمع ركنا الحج الأكبر؛ فيقف ملايين الحجيج بصعيد عرفات الطاهر في أعظم مشهد إيماني للتضرع والمغفرة، وتهل على الأمة الإسلامية بهجة عيد الأضحى المبارك إحياءً لسنة الخليل إبراهيم عليه السلام. كما ارتبط ذو الحجة بأعظم وثيقة لحقوق الإنسان في خطبة حجة الوداع، ونزول آية إكمال الدين ورضوان الرب. نقدم في هذا الملف الموسوعي دليلاً محققاً لفضائل ذي الحجة، وأسرار عشرته المباركة، وأحكام الحج والأضحية، ووقائعه التاريخية الخالدة.
سلسلة دراسات الشهور الهجرية الشاملة
طالع أبحاثنا المحققة لكافة شهور السنة الهجرية عبر الروابط المباشرة التالية:
2. صفر
3. ربيع الأول
4. ربيع الثاني
5. جمادى الأولى
6. جمادى الآخرة
7. رجب
8. شعبان
9. رمضان
10. شوال
11. ذو القعدة
12. ذو الحجة المبارك (الحالي)
التقويم الهجري الشامل ←
1. القدسية العقدية وفضل العشر الأوائل من ذي الحجة (أفضل أيام الدنيا)
يتبوأ شهر ذي الحجة مكانة لا تدانيها سائر شهور العام القمري في ميدان الفضائل النهارية؛ فإذا كان شهر رمضان المعظم يختص بأفضل الليالي بفضل ليلة القدر، فإن ذا الحجة يختص بأفضل أيام الدنيا نهاراً بإجماع أهل التحقيق. وقد خلد الله عظمة هذه الأيام المباركة بالقسم بها في مطلع سورة الفجر:
«وَالْفَجْرِ • وَلَيَالٍ عَشْرٍ • وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ»
[سورة الفجر: الآيات 1-3]
أجمع أئمة التفسير كابن عباس وابن كثير والقرطبي والطبري على أن الليالي العشر المذكورة في الآية هي عشر ذي الحجة الأولى، وأن “الوتر” هو يوم عرفة (التاسع من ذي الحجة)، و“الشفع” هو يوم النحر (العاشر من ذي الحجة).
وقد جاء البيان النبوي الشافي في فضل العمل الصالح فيها بما رواه الإمام البخاري (حديث 969) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ:
«مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلاَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلاَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ».
وفي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه عند البزار وابن حبان وصححه الألباني:
«أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَيَّامُ العَشْرِ».
الموازنة العلمية بين ليالي رمضان وأيام ذي الحجة
سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم عن أيهما أفضل: العشر الأواخر من رمضان أم عشر ذي الحجة؟ فأجابا بالتحقيق الفارق: ليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة لاشتمالها على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، بينما أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام عشر رمضان لأن نهارها يشتمل على يوم عرفة، ويوم النحر، ومناسك الحج الكبرى، ولاجتماع أمهات العبادات في نهارها من صلاة، وصيام، وصدقة، وذكر، وحج، ولا يتأتى ذلك مجتمعاً في غيرها قط.
2. الجذور اللغوية، فقه التسمية، وأسواق العرب الموسمية
يرجع اسم ذي الحِجَّة في المعاجم العربية إلى مادة (ح-ج-ج) التي تدل في أصلها اللغوي على القصد المتكرر للمواضع العظيمة المعظمة. قال ابن منظور في لسان العرب:
«الحَجُّ في اللغة: القصد لكثرة التردد إلى الموضع المعظم. ورجل محجوج أي مقصود معظّم. وسُمي شهر ذي الحِجة بهذا الاسم لأن العرب كانت تقصد بيت الله الحرام وتؤدي فيه مناسك الحج في الجاهلية والإسلام».
التحقيق الصرفي: ذو الحِجَّة بالكسر أم ذو الحَجَّة بالفتح؟
بين علماء اللغة والتصريف حركتي فاء الكلمة:
1. بكسر الحاء (ذُو الحِجَّة): هي اللغة الفصحى العليا المشهورة عند جمهور قبائل العرب وأهل الحجاز، وبناء (فِعْلة) بالكسر يدل على الموسم والهيئة والحال الشرعي للحج.
2. بفتح الحاء (ذُو الحَجَّة): هي لغة معتبرة محكية عن بني تميم وقبائل نجد، على وزن اسم المرة (فَعْلة) للحجة الواحدة. والكسر هو الأشهر والأكثر استعمالاً في كتب الحديث والرواية.
الأسماء الجاهلية القديمة وأسواق العرب الكبرى
عرفت القبائل العربية القديمة في الجاهلية الأولى شهر ذي الحجة بأسماء قديمة تناقلتها الدواوين التراثية:
- بُرَك (أو بُرَكَة): استعملته قبائل حمير وثمود إشارة إلى بروك الإبل للنحر في المشاعر المقدسة وبروكها للاستراحة بعد عناء السفر.
- مَيْمُون: استخدم في شمال الجزيرة دلالة على اليمن والبركة والأمن من الغارات وتأمين المعاش.
وكانت العرب تنظم حياتها التجارية والأدبية والقبلية قبيل مناسك ذي الحجة عبر أسواقها الموسمية الثلاثة الشهيرة:
- سوق عكاظ: من أول ذي القعدة إلى العشرين منه قرب الطائف، وكان موئل الفصحاء والشعراء وعقد التحالفات.
- سوق مَجَنَّة: في العشر الأواخر من ذي القعدة في مر الظهران قرب مكة.
- سوق ذو المَجاز: يقع ملاصقاً لجبل عرفات، ويستمر نشاطه التجاري في الأيام الثمانية الأولى من شهر ذي الحجة؛ حتى إذا كان يوم التروية (الثامن من ذي الحجة) أغلق السوق وتفرغ الجميع للتلبية والإحرام وشهود المناسك.
3. المحطات التاريخية الكبرى في السيرة النبوية والتاريخ الراشدي
شهد شهر ذو الحجة لحظات حاسمة صاغت وجدان الأمة الإسلامية ورسمت معالم تشريعها وحضارتها:
أولاً: حجة الوداع وخطبة عرفات الخالدة (إعلان حقوق الإنسان)
9 ذو الحجة سنة 10 هـ (مارس 632 م)
في يوم الجمعة التاسع من شهر ذي الحجة سنة عشر للهجرة، وقف رسول الله ﷺ على ناقته القصواء في وادي عُرنة بعرفات أمام أكثر من مائة وعشرين ألفاً من الصحابة الكرام، ليلقي خطبته التاريخية الجامعة التي أرست أركان العدل الإنساني والمساواة:
- قدسية الدماء والأموال والأعراض: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا».
- المساواة الإنسانية وإلغاء التمييز العنصري: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، كُلُّكُمْ لآدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلاَ لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى».
- إلغاء الربا والثارات الجاهلية: أسقط النبي كل ربا جاهلي وأول ربا بدأ به ربا عمه العباس بن عبد المطلب، وأبطل كل دم وثأر جاهلي.
- الوصية العظيمة بالنساء: «فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ».
- الأمان والاعتصام بالوحي: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي».
نزول آية إكمال الدين وبكاء عمر
وفي ذلك اليوم المشهود بعرفات، تنزل الروح الأمين جبريل بآية البلاغ التام والنعمة الكبرى:
«الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا»
[سورة المائدة: الآية 3]
فلما سمعها عمر بن الخطاب رضي الله عنه بكى؛ فقيل له: ما يبكيك وهي آية نصر وعز؟ فقال ببصيرته الفذة الملهمة: «إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان»؛ ففطن إلى أن تمام الرسالة إيذان بقرب انتقال الحبيب المصطفى ﷺ إلى الرفيق الأعلى.
ثانياً: بيعتا العقبة الأولى والثانية (تمهيد فجر الهجرة النبوية)
ذو الحجة (سنة 12 و13 من البعثة)
استثمر النبي المصطفى ﷺ حرمة موسم الحج في ذي الحجة لعرض دعوته على القبائل، فتوج جهده ببيعتي العقبة في منى:
- بيعة العقبة الأولى (ذو الحجة سنة 12 من البعثة / 621 م): التقى فيها اثنا عشر رجلاً من الأنصار (الأوس والخزرج) وبايعوا النبي على الإيمان بالله، وترك السرقة والزنا وقتل الأولاد والبهتان، وأرسل معهم سفير الإسلام الأول مصعب بن عمير الذي أسلمت على يديه المدينة.
- بيعة العقبة الثانية (ذو الحجة سنة 13 من البعثة / 622 م): في جنح الظلام عند جمرة العقبة بمنى، التقى ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان من الأنصار بالنبي وبايعوه بيعة النصرة والحماية، متعهدين بالدفاع عنه كما يدافعون عن نسائهم وأبنائهم، فكانت تلك البيعة هي الركيزة الكبرى لقيام دولة الإسلام وانطلاق الهجرة المباركة.
ثالثاً: زواج فاطمة الزهراء ومصاب الأمة باستشهاد الخلفاء الراشدين
زواج علي بن أبي طالب من فاطمة الزهراء (ذو الحجة سنة 2 هـ): عقب الانتصار المؤزر في غزوة بدر الكبرى، تم البناء المبارك بين أمير المؤمنين علي وسيدة نساء العالمين فاطمة رضي الله عنهما في ذي الحجة، ومن هذا البيت الطاهر انحدرت السلالة النبوية الشريفة عبر الحسن والحسين.
استشهاد الفاروق عمر بن الخطاب (أواخر ذي الحجة سنة 23 هـ): طُعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في محراب صلاة الفجر بمسجد النبي بالمدينة على يد المجوسي أبي لؤلؤة في 26 ذي الحجة، وفاضت روحه الزكية بعد ثلاثة أيام ودُفن بجوار الحبيب المصطفى وصاحبه الصديق.
استشهاد ذي النورين عثمان بن عفان (18 ذو الحجة سنة 35 هـ): استشهد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه صائماً محتسباً داخل داره بالمدينة وهو يتلو كتاب الله، حين سالت دماؤه الزكية على المصحف الشريف عند قوله تعالى: «فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ».
4. الفقه العملي لمناسك الحج خطوة بخطوة (المناسك)
الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، ويجب في العمر مرة واحدة على كل مسلم مستطيع بالغ عاقل. وتبدأ أعمال الحج الفعلية وتتتابع من اليوم الثامن وحتى الثالث عشر من شهر ذي الحجة:
5. فقه الأضحية وفضل صيام يوم عرفة لغير الحاج
بالنسبة لعموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها الذين لم يُكتب لهم شهود الحج، فإن ذا الحجة يفتح لهم بابين عظيمين من أوسع أبواب الأجر والقربات:
فضل صيام يوم عرفة (التاسع من ذي الحجة) لغير الحاج
صيام يوم عرفة من آكد النوافل وأعظمها أجراً في السنة المطهرة؛ روى الإمام مسلم في صحيحه (حديث 1162) عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ سُئل عن صوم يوم عرفة فقال:
«يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَالبَاقِيَةَ».
تنبيه فقهي للحجاج: يُكره صوم يوم عرفة للحاج الواقف بعرفة، ليتفرغ للدعاء والابتهال بقوة ونشاط كما ثبت عن النبي ﷺ في حجة الوداع.
الأحكام الفقهية المحققة للأضحية (قربان العيد)
تُعد الأضحية من شعائر الإسلام الظاهرة، وتشرع إحياءً لفداء إسماعيل عليه السلام وشكراً لله تعالى على نعمه:
1. حكم الأضحية الشرعي
ذهب جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة) إلى أنها سنة مؤكدة للقادر عليها ويُكره تركها. وذهب الحنفية ورواية عن أحمد إلى أنها واجبة على كل مسلم غني مقيم يملك نصاب الزكاة.
2. الأصناف والأسنان المعتبرة
تجزئ بهيمة الأنعام بالشروط السنية التالية:
• الضأن (الخروف): 6 أشهر فصاعداً (جذع كبير).
• الماعز: سنة كاملة ودخل في الثانية.
• البقر والجاموس: سنتان كاملتان (تجزئ عن 7 أشخاص).
• الإبل: 5 سنوات كاملة (تجزئ عن 7 أو 10 أشخاص).
3. العيوب المانعة من الإجزاء
حدد النبي ﷺ أربعة عيوب صريحة تبطل التضحية: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسيرة (العجفاء) التي لا تُنقي (أي ليس في عظامها مخ لهزالها الشديد).
4. سنة الإمساك عن الشعر والأظافر
ثبت في صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي قال: «إِذَا رَأَيْتُمْ هِلاَلَ ذِي الحِجَّةِ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ»، وهو مستحب عند الجمهور ومحرم عند الحنابلة.
6. الخطة العملية والروحية لاغتنام العشر الأوائل من ذي الحجة
لكي يخرج المسلم من هذه الأيام الفاضلة بأوفر الحظ والنصيب، وضع أهل العلم برنامجاً عملياً مكثفاً:
الأعمال الفاضلة المستحبة في العشر:
1. صيام الأيام التسعة الأولى: ولا سيما يوم عرفة العظيم؛ فالصيام من أجل الأعمال الصالحة التي يجزي الله بها بغير حساب.
2. الإكثار من التكبير والتهليل والتحميد (التكبير المطلق): قال النبي ﷺ في مسند أحمد: «فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ». وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.
3. التكبير المقيد عقب الصلوات المكتوبة: يبدأ لغير الحاج من فجر يوم عرفة (التاسع) وحتى عصر اليوم الثالث عشر من ذي الحجة (آخر أيام التشريق):
«اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الحَمْدُ».
4. مضاعفة الصدقات وتفقد الفقراء: إطعام الطعام، ونحر الأضاحي وتوزيع لحومها على المحتاجين، وإدخال السرور على الأيتام والأرامل.
5. قيام الليل وختم القرآن: إحياء ليالي العشر بالتهجد والقرآن والاستغفار بالأسحار؛ فإن شرف المؤمن قيامه بالليل.
7. معايير تحري الهلال وضبط وقفة عرفات وعيد الأضحى عالمياً
يحظى تحري هلال ذي الحجة بعناية استثنائية على الصعيدين الفلكي والشرعي نظراً لارتباطه بتحديد أيام الحج ومناسك المشاعر المقدسة:
الضوابط الشرعية المتبعة:
- تحري مساء 29 ذي القعدة: تجتمع المحكمة العليا في المملكة العربية السعودية والمراصد الفلكية لتحري رؤية الهلال الجديد بالعين المجردة والمناظير الفلكية.
- ثبوت الرؤية الشرعية: تبدأ غرة ذي الحجة رسمياً، وتتحدد وقفة عرفة في اليوم التاسع، وعيد الأضحى في اليوم العاشر من ذي الحجة.
- تعذر الرؤية: يكمل شهر ذو القعدة 30 يوماً كاملة، وتدخل غرة ذي الحجة بعد تمام العدة، حرصاً على سلامة العبادة ووحدة الشعائر.
8. أسئلة شائعة محققة عن شهر ذي الحجة (FAQ)
لماذا تعد الأيام العشر الأولى من ذي الحجة أفضل أيام السنة؟
لأن الله تعالى أقسم بها في سورة الفجر، ولأن النبي ﷺ نص على أنه لا توجد أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله منها، ولاجتماع أمهات العبادات الخمس فيها (التوحيد، الصلاة، الصيام، الصدقة، والحج) وهو ما لا يتوفر في غيرها قط.
ما هو أجر صيام يوم عرفة لغير الحاج؟
يكفر صيام يوم عرفة ذنوب وصغائر سنتين كاملتين: السنة الماضية والسنة القادمة، كما صح في صحيح مسلم عن النبي ﷺ.
هل يجوز للمضحي قص شعره أو تقليم أظافره بعد دخول ذي الحجة؟
يُستحب عند جمهور العلماء ويحرم عند الحنابلة لمن نوى التضحية أن يمسك عن قص شعره وأظافره وبشرته من أول ليلة في ذي الحجة حتى يذبح أضحيته، تأسياً بحديث أم سلمة في صحيح مسلم.
ما هي أيام التشريق وهل يجوز صيامها؟
أيام التشريق هي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، ويحرم صيامها شرعاً لأنها أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح.
ما هي أركان الحج الأربعة التي لا يصح الحج بدونها؟
أركان الحج المتفق عليها عند جمهور الفقهاء هي: 1) الإحرام بنيّة النسك؛ 2) الوقوف بعرفة؛ 3) طواف الإفاضة؛ 4) السعي بين الصفا والمروة.
كم عدد المشتركين في الأضحية الواحدة من البقر والإبل؟
تجزئ الشاة الواحدة عن شخص واحد (وأهل بيته)، بينما يجزئ الرأس الواحد من البقر أو الإبل عن سبعة أشخاص مستقلين بأسرهم باتفاق المذاهب الأربعة.
متى يبدأ التكبير المقيد ومتى ينتهي؟
يبدأ التكبير المقيد عقب الصلوات الخمس المفروضة من صلاة فجر يوم عرفة (التاسع من ذي الحجة) ويستمر حتى صلاة عصر اليوم الثالث عشر (رابع أيام العيد وآخر أيام التشريق).
من هما الخليفتان الراشدان اللذان استشهدا في شهر ذي الحجة؟
هما الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه (استشهد في أواخر ذي الحجة سنة 23 هـ)، والخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه (استشهد في 18 ذي الحجة سنة 35 هـ).
9. فقه التكبير وصيغه المأثورة وسر الدعاء المستجاب يوم عرفة
يعد التكبير شعار هذه الأيام المباركة العظيم؛ وقد قسمه أئمة الفقه إلى قسمين رئيسيين:
1. التكبير المطلق (المرسل)
يبدأ من أول لحظة تثبت فيها رؤية هلال ذي الحجة (غروب شمس آخر يوم من ذي القعدة) ويستمر إلى غروب شمس آخر أيام التشريق (اليوم الثالث عشر). ويكون في جميع الأوقات والأماكن: في الأسواق، والبيوت، والمساجد، والطرقات، جهراً للرجال وإسراراً للنساء.
2. التكبير المقيد
يبدأ لغير الحاج عقب صلاة الفجر من يوم عرفة (التاسع) وحتى صلاة العصر من اليوم الثالث عشر من ذي الحجة (آخر أيام التشريق)، ويكون أدبار الصلوات المكتوبة المفروضة جماعة أو فرادى، وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين والفقهاء.
صيغ التكبير المأثورة عن الصحابة والتابعين
وردت عن السلف الصالح صيغ متعددة كلها مقبولة ومستحبة:
- صيغة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الحَمْدُ» (وهي الصيغة المعتمدة عند الحنفية والحنابلة).
- صيغة عبد الله بن عباس وسلمان الفارسي رضي الله عنهم: «اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيراً، وَالحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيراً، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً».
- صيغة الإمام الشافعي رحمه الله: يضيف إليها بعد التكبير الثلاثي: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَلاَ نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ».
خير الدعاء دعاء يوم عرفة
روى الإمام الترمذي (حديث 3585) وحسنه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال:
«خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»
قال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد: “في هذا الحديث دليل على أن دعاء يوم عرفة مجاب في الأغلب، وفيه تفضيل ذلك اليوم على سائر الأيام، وتفضيل ذكر التوحيد والتهليل على غيره من الأذكار؛ لأن التوحيد هو أصل الدين وبوابته العظمى”.
الخاتمة والمصادر الكلاسيكية المعتمدة
إن شهر ذي الحجة المبارك يختتم العام الهجري بأعلى تجليات التوحيد والتضحية؛ فبين مواقف عرفات المهيبة وشعائر الأضاحي المباركة، تتجلى حقيقة الإسلام كدين استسلام كامل لله وأخوة إنسانية شاملة. فلنحرص على تعظيم هذه الأيام العشر، وإحياء شعائرها بالتكبير والذكر والصدقة والصيام، لنختم عامنا برضوان من الله وفضل.
صحيح البخاري (كتاب الحج وكتاب العيدين) • صحيح مسلم (كتاب الحج وكتاب الأضاحي) • تفسير القرآن العظيم (الحافظ ابن كثير) • زاد المعاد في هدي خير العباد (الإمام ابن قيم الجوزية) • لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف (الحافظ ابن رجب الحنبلي) • المجموع شرح المهذب (الإمام النووي) • فتح الباري شرح صحيح البخاري (الحافظ ابن حجر العسقلاني) • لسان العرب (ابن منظور).